الطب في روسيا: هل يوجد مكان للاستثمار العربي؟ (روسيا ما وراء العناوين)

تحول أسباب مختلفة دون استثمار رجال الأعمال العرب في المجال الطبي في روسيا، معظمها أسباب نفسية تعود إلى تصورات سلبية عن روسيا، زرعها الإعلام الغربي على وجه الخصوص. وهكذا، فمن أجل الوقوف على الواقع الفعلي للاستثمار الخاص في الطب في روسيا وإمكانات استثمار عربي هنا وآفاقه، كان الحديث التالي مع الدكتور وائل أرزوني، الموسكوفي اللبناني الأصل، في مركزه الطبي.

موسكو، مدينة عملاقة ومستوى الدخل فيها يسمح بالإنفاق على العناية الطبية، فما هي آفاق الاستثمار الطبي في هذه المدينة؟

موسكو بالذات، بحاجة إلى كثير من المراكز الطبية المجهزة بتقانات حديثة. فمعظم المستشفيات الحكومية فيها قائمة منذ العهد السوفيتي. وهناك خطوات لتحديثها وتجهيزها بمعدات حديثة، لكن حتى لو حدّثت جميعا ستبقى هناك حاجة للمزيد. يوجد مراكز طبية ومشاف خاصة، ولكن عددها قليل جدا. هذا مجال مفتوح لاستثمار مربح.

أهي دعوة للمستثمرين العرب؟ ماذا عن المراكز الطبية العربية في موسكو؟

هناك مشفى لطب العيون، ومراكز أخرى صغيرة، خاصة في مجال علاج أمراض الفم والأسنان، ولكنها تٌعدّ على أصابع اليد الواحدة. للأسف، لا يوجد استثمار عربي في الطب في روسيا عموما، على الرغم من وجود أطباء مهرة يعملون في مشاف حكومية وخاصة. بينما يستثمر الأوروبيون والأميركان والإسرائيليون هنا. بالمناسبة، هناك نشاط إسرائيلي كبير في مجال الطب والسياحة الطبية.

أظن السياحة الطبية إلى إسرائيل وليس من إسرائيل إلى روسيا نشطة، بالمقابل، فليس هناك سياحة طبية روسية – عربية في أي من الاتجاهين؟

بالفعل، كان كثير من الروس يسافرون إلى إسرائيل لإجراء الفحوصات والعلاج، وهناك مكاتب سياحية اشتغلت على هذا الأمر، فدمجت السياحة مع المعاينة الطبية والاستطباب، ثم انتقل الإسرائيليون إلى الاستثمار في الطب في روسيا. بينما، للأسف، ينحصر الاهتمام العربي بأشخاص عارفين ومتحمسين ولكن محدودي الإمكانات المادية. لا تجد في موسكو استثمارات سعودية أو خليجية عموما ولا رجال أعمال عرب يستثمرون في الطب. علما بأن الاستثمار في الطب مربح في العالم إجمالا فكيف في روسيا.

ولماذا هذا الاستثناء لروسيا، هل تتوافر هنا فرص نجاح إضافية؟

طبعا، فأولا، عدد المراكز الطبية الحديثة غير كاف وهناك حاجة إلى مزيد منها؛ وثانيا، المرضى الروس يدفعون حتى في المشافي الحكومية، التي تعالج مجانا، للطبيب الجراح أو المعالج، توخيا لمزيد من العناية، ولذلك فهم يفضّلون الذهاب إلى المشافي الخاصة؛ وأمّا ثالثا، فالروس يثقون بالمراكز الأجنبية أكثر من الروسية؛ ولا ننسى أن أسعار الخدمات الطبية الخاصة مرتفعة في موسكو وبالتالي فهي مربحة للمستثمر، والروس مستعدون للإنفاق جيدا على صحتهم، وهم من الشعوب التي تعتني بصحتها. وعموما المريض الروسي، قبل أن يلجأ إلى الطبيب، يبحث في المراجع ومصادر المعلومات عن علته ويقرأ عنها، ولذلك يأتي إلى الطبيب وهو يعرف كثيرا عن حالته وعن أساليب العلاج الممكنة والأدوية. هاجس الصحة عند الروس هاجس حقيقي.

لا يلاحظ أي إعلان لعيادة خاصة في موسكو. فهل هناك ما يمنع افتتاح عيادات خاصة؟

لا، ليس هناك ما يمنع قانونيا، للمسألة وجه آخر. لم يكن لهذه الممارسة الطبية وجود في الاتحاد السوفيتي، وأما بعده فاستمر تقليد اللجوء إلى المشافي، حيث تتم المعاينة الأولية ومن ثم التحويل للطبيب الاختصاصي. وهناك يتم كل ما يلزم من تحاليل وفحوصات، ومن ثم العلاج الذي قد يشارك فيه مجموعة أطباء. كان هناك استثناء فقط في طب الأسنان، كانت المراكز الحكومية أشبه بعيادات، ولذلك أول ما بدأت العيادات الخاصة في روسيا، في فترة البيريسترويكا وبعدها، كانت عيادات أسنان. في بقية الاختصاصات، لم تفتتح عيادات لأسباب مختلفة. فالجراح مثلا لا يستطيع إدخال مريض إلى مشفى لإجراء عملية جراحية إذا لم يكن موظفا في هذا المشفى. ولكن نلاحظ بداية انتشار عيادات في مجال الجراحة التجميلية مثلا. وعموما، يتم افتتاح مراكز طبية صغيرة أشبه بالعيادات يمكنها إجراء عمليات جراحية صغرى، إضافة إلى مراكز تقدم خدمات المعاينة وإجراء الفحوصات والتحاليل للتشخيص ووصف العلاج. لا أدري إن كانت العيادات الخاصة، بالمفهوم الموجود في البلدان العربية، ستنجح هنا. أظن المرضى يفضّلون أن تتم جميع الفحوصات والتحاليل اللازمة وتشخيص حالتهم في مكان واحد وليس التنقل من مكان إلى آخر، في مدينة كبيرة مزدحمة.

قد يكون غياب العيادات الخاصة عاملا مشجعا على افتتاح مشاف صغيرة بعدة اختصاصات؟

نعم، وينبغي عدم حصر التفكير هنا بالمراجعين أو المرضى العرب، فالطلب الأساسي سيأتي من الروس. فأنا شخصيا، أول ما خطر ببالي افتتاح مركز طبي لعلاج الأسنان وجراحة الفكين، فكرت بالمرضى العرب. لكن سرعان ما شغل المرضى الروس جميع الكراسي الأربع في مركزنا على مدار أيام العمل. الفضل، يعود إلى المواد الجيدة المستخدمة والعلاج الدقيق ومهارة الأطباء. تجربتي، يمكن أن يخوضها عرب آخرون ببساطة، لكن يبدو من الصعب إقناع الناس بالتخلي عن التصورات التي ترسخت في أذهانهم عن روسيا من أعوام التسعينيات، فما زال كثير من العرب يتحدثون عن مافيات ومخاطر في روسيا، عكس واقعها الحالي.

وماذا يلزم لتحقيق استثمار ناجح؟

الاستثمار في الطب، مثل الاستثمار في أي مجال آخر، يحتاج إلى إرادة، ووضوح في الأهداف والمتطلبات، ومتابعة جيدة، وعمل مسؤول، ودعاية، وإدارة جيدة، وكادر مؤهل مخلص في عمله، وأجهزة حديثة، وعدم التنازل عن النوعية تحت أي إغراء.

وهل هناك صعوبات إدارية في الحصول على التراخيص المطلوبة؟

أولا، التراخيص واحدة للجميع، وترخيص منشأة طبية ممكن لأي كان، وليس بالضرورة أن يكون صاحب الترخيص طبيبا. يمكنك مثلا أن تفتح مركزا لعلاج الأسنان أو للتشخيص والعلاج من عدة أمراض دون أن تكون طبيبا، فالأهم أن يعمل لديك كادر طبي مؤهّل ومرخّص له بالعمل. والتراخيص غير صعبة ولا تستغرق وقتا طويلا، كما يمكن استقدام أطباء من بلدان عربية ومعادلة شهاداتهم في روسيا.

Esector: